مركز المعجم الفقهي

3472

فقه الطب

- جواهر الكلام جلد : 43 من صفحة 44 سطر 10 إلى صفحة 50 سطر 9 ( الأولى : ) ( الطبيب يضمن ما يتلف بعلاجه إن كان قاصرا أو عالج طفلا أو مجنونا لا بإذن الولي أو بالغا لم يأذن ) بلا خلاف أجده في شيء من ذلك ، بل في التنقيح ( الطبيب القاصر المعرفة ضامن لما يتلفه بعلاجه إجماعا ، وكذا العارف إذا عالج صبيا أو مجنونا أو مملوكا من غير إذن من الولي والمالك ، أو عالج عاقلا حرا من غير إذن فيه ) وفي مجمع البرهان ( الطبيب ضامن لما يتلف بعلاجه إن قصر سواء كان حاذقا أم لا ، بإذن المريض ووليه أم لا والظاهر عدم الخلاف في ذلك وكذا يضمن لو عالج طفلا أو مجنونا مع عدم إذن الولي ، ) وفي الرياض ( هذا الحكم مما لم أجد خلافا فيه في صورة ما لو كان الطبيب قاصرا في المعرفة ، أو عالج من غير إذن من يعتبر إذنه ، وبنفي الخلاف هنا صرح المولى المقدس الأردبيلي ، بل في التنقيح عليه الإجماع ) . قلت : قد سمعت ما وجدنا فيهما ، وعلى كل حال فلا إشكال في شيء من ذلك في صورة الإذن للقاصر المعلوم قصوره عند الإذن ، فإنه قد يقال بسقوط الضمان فيه بسبب الإذن ، بناء على سقوطه بالإذن في الجناية أو في العلاج وإن ترتب التلف عليه ، وإن كان الأقوى الضمان في الفرض ، لقاعدة الضمان على كل متلف ، وخصوصا في الدماء التي ورد فيها ( أنه لا يبطل دم امرء مسلم ) والإذن كعدمها بعد النهي عنه شرعا كما تقدم الكلام في نظيره سابقا ، بل لو جوزنا المباشرة للحاذق بلا إذن لقاعدة الإحسان أو أوجبناها عليه مقدمة لحفظ النفس المحترمة كما في خبر أبان بن تغلب عن الصادق عليه السلام ، لا ينافي ذلك الضمان الذي هو من باب الأسباب كما في تأديب الزوجة والصبي ونحوهما ، فتأمل . ( و ) كيف كان ف‍ ( لو كان الطبيب ) في العلم والعمل ( عارفا وأذن له المريض في العلاج ) ولم يقصر هو فيه ( ف‍ ) عالج و ( آل ) علاجه ( إلى التلف ) في النفس أو الطرف ( قيل ) والقائل ابن إدريس : ( لا يضمن ) للأصل و ( لأن الضمان يسقط بالإذن ولأنه فعل سائغ شرعا ) فلا يستعقب ضمانا . قال في السرائر : ( من تطبب أو تبيطر فليأخذ البراءة من ولي من يطببه أو صاحب الدابة وإلا فهو ضامن إذا هلك بفعله شيء من ذلك . هذا إذا كان الذي يجني عليه الطبيب غير بالغ أو مجنونا ، وأما إذا كان عاقلا مكلفا وأمر الطبيب بفعل شيء ففعله على ما أمر به فلا يضمن الطبيب ، سواء أخذ البراءة من الولي أم لم يأخذها ، والدليل على ذلك أن الأصل براءة الذمة والولي لا يكون إلا لغير المكلف ، فأما إذا جنى على شيء لم يؤمر بقطعه ولا بفعله فهو ضامن سواء أخذ البراءة من الولي أم لم يأخذها ) . ( وقيل ) والقائل الفاضل والشهيدان وغيرهم ، بل والشيخان وابن البراج وسلار وأبو الصلاح وابن زهرة والطبرسي والكيدري ونجيب الدين على ما في غاية المراد : ( يضمن لمباشرته الإتلاف ) وإن لم يصرحوا أو أكثرهم بالإذن ( و ) كيف كان ف‍ ( هو أشبه ) بأصول المذهب وقواعده وفاقا لمن عرفت ، بل قال المصنف في النكت : ( الأصحاب متفقون على أن الطبيب يضمن ما يتلفه بعلاجه ) وفي الغنية الإجماع على ذلك أيضا ، وهو الحجة بعد قاعدة الضمان على المتلف ، والإذن في العلاج ليس إذنا في الإتلاف ، والجواز الشرعي لا ينافي الضمان كما في الضرب للتأديب ، نعم لما لم يكن ذلك عمدا له لم يقتص منه مضافا إلى خبر السكوني الذي تسمعه إن شاء الله ، بل قيل : وإلى ما حكي من تضمينه عليه السلام الختان القاطع لحشفة الغلام ، بل عن ابن إدريس نفي الخلاف عن صحة مضمونه ، وإن كان فيه أنه قضية في واقعة محتملة لتفريط الختان بقطع الحشفة الذي لم يؤمر به ، وعدمه ، ولكن ما ذكرناه كاف في إثبات المطلوب . وعلى كل حال ( فإن قلنا لا يضمن فلا بحث وإن قلنا ) إنه ( يضمن فهو يضمن في ماله ) بلا خلاف أجده فيه ، بل ولا إشكال للأصل ، وظاهر الخبر الآتي ، ولأنه من شبه العمد بقصده الفعل دون القتل ، وقد عرفت أن الدية فيه على الجاني كما هو واضح . ( وهل يبرء ) الطبيب ( بالإبراء قبل العلاج ؟ قيل : نعم ) يبرء ، والقائل الشيخان وأتباعهما وأبو الصلاح وابن البراج في ظاهر المهذب أو صريحه في كتاب الإجارة ، والآبي وفخر المحققين والشهيد وأبو العباس والمقداد والمقدس الأردبيلي وفاضل الرياض على ما حكي عن بعضهم ، بل في المسالك أنه المشهور ، وفي ظاهر الغنية أو صريحها الإجماع عليه ( لرواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : " من تطبب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليه وإلا فهو ضامن " ولأن العلاج مما تمس الحاجة إليه ، فلو لم يشرع الإبراء تعذر العلاج ) . ( وقيل ) ولكن لم نتحقق القائل قبل المصنف وإن حكي عن ابن إدريس : ( لا يبرء لأنه إسقاط الحق قبل ثبوته ) نعم يظهر من الفاضل التردد فيه كالمصنف هنا حيث اقتصر على نقل القولين ، ولعله مما عرفت ، مضافا إلى احتمال الخبر المزبور البراءة بعد الجناية مجانا أو على مال ، احتمالا ظاهرا ، وربما يرشد إليه لفظ ( وليه ) على أنه ضعيف ، والحاجة بمجردها لا تصلح دليلا لشرع الحكم المخالف للأدلة ، ومن هنا قال في المسالك : ( وهو الوجه ) بعد أن حكى ترجيحه عن قواعد الفاضل والميل إليه عن تحريره . ولكنه كما ترى بعد الاغضاء عما في نقله عن الفاضل ضرورة عدم منافاة الاحتمال المزبور في الخبر الظاهر الذي هو الحجة في الأحكام الشرعية ، كعدم منافاة ضعفه ، بعد انجباره بما عرفت ، وتأييده بمسيس الحاجة . وذلك كله كاف للخروج به عن قاعدة عدم اسقاط الحق قبل ثبوته ، على أنه ينبغي الجزم به إذا أخذ بعنوان الشرطية في عقد إجارة الطبيب مثلا إذ هو حينئذ يكون كاشتراط سقوط خيار الحيوان والمجلس ونحوهما مما يندرج تحت قولهم عليهم السلام : ( المؤمنون عند شروطهم ) بل ربما ظهر من الأردبيلي الاكتفاء بالشرط مطلقا ، وإن كان فيه أنه إن لم يكن في ضمن عقد وعدا أو كالوعد لا يجب الوفاء به . كل ذلك مضافا إلى إمكان القطع به في مثل الأموال التي منها ما هو محل البيطرة ضرورة أنه إذن في الإتلاف على وجه يجري مجرى أفعال العقلاء نحو غيره من الإتلافات . ومنه يعلم الوجه في غير المال مما له الإذن فيه إذا كان جاريا مجرى أفعال العقلاء كما في العلاج . وليس هذا من الإبراء قبل ثبت الحق ، بل من الإذن في الشيء المقتضية لعدم ثبوته ، نحو الإذن في أكل المال مثلا ، والظاهر اعتبار إذن المريض في ذلك مع فرض كونه كامل العقل ، ولا يكفي إذن الولي ، إذ لا ولي له في هذا الحال ، وإنما هو أولى بنفسه ، وكون الولي هو المطالب بعد ذلك لا يرفع سلطنته الآن على نفسه ، وما في الخبر المزبور محمول على إرادة الولي في ذلك الشامل للمريض ورب المال . وقول الشهيد في غاية المراد وغيره باعتبار إذن الولي أو المريض ، محمول على التفصيل الذي ذكرناه ، لا أن المراد ، الاكتفاء بإذن الولي مع كمال عقل المريض . وقال المصنف في النكت في الخبر : " وإنما عدل إلى الولي لأنه هو المطالب على تقدير التلف ، فلما شرع الإبراء قبل الاستقراء لمكان الضرورة صرف إلى من يتولي المطالبة بتقدير وقوع ما يبرء منه ، ولا أستبعد الإبراء من المريض فإنه يكون فعلا مأذونا فيه والمجني عليه إذا أذن في الجناية سقط ضمانها ، فكيف بإذنه في المباح المأذون في فعله ) وهو إن لم يرد ما ذكرناه فمحل للنظر فتأمل جيدا . هذا كله إذا تولى الطبيب العلاج بنفسه ، أما إذا قال : ( أظن أن هذا الدواء نافع لهذا الداء ، أو لو كنت أنا لفعلت كذا ) ونحو ذلك مما لم تكن فيه مباشرة منه وإن فعل المريض العاقل المختار أو وليه ذلك اعتمادا على القول المزبور ، فإن المتجه فيه عدم الضمان للأصل وغيره ، كما أن المتجه عدم شيء عليه حيث لم يعلم الحال لاحتمال الموت بغير العلاج . ولعله على ذلك يحمل خبر أحمد بن إسحاق المروي في الكافي في باب النوادر في آخر كتاب العقيقة ، " قال : كان لي أبن ، وكان تصيبه الحصاة فقيل لي : ليس له علاج إلا أن تبطه ، فبططته فمات ، فقالت الشيعة : شركت في دم ابنك ، قال : فكتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر فوقع : يا أحمد ليس عليك فيما فعلت شيء إنما التمست الدواء وكان أجله فيما فعلت ) . ومنه يستفاد جواز العلاج بظن السلامة أو احتمالها . كخبر إسماعيل بن الحسن المتطبب المروي في روضة الكافي عن الصادق عليه السلام " إني رجل من العرب ، ولي بالطب بصر ، وطبي طب عربي ، ولست آخذ عليه صفدا ، فقال : لا بأس ، قلت : إنا نبط الجرح ونكوي بالنار ، قال : لا بأس ، قلت : ونسقي هذه السموم الإسمحيقون والغاريقون ، قال : لا بأس قلت : إنه ربما مات ، قال : وإن مات " الحديث . وخبر يونس بن يعقوب فيها أيضا عن الصادق عليه السلام " الرجل يشرب الدواء ، ويقطع العرق ، وربما انتفع به وربما قتله ، قال يشرب ويقطع ) . وخبر أبان بن تغلب فيها أيضا عن الصادق عليه السلام " كان المسيح عليه السلام يقول : إن التارك شفاء المجروح من جرحه شريك لجارحه لا محالة ، وذلك أن الجارح أراد فساد المجروح والتارك لإشفائه لم يشأ صلاحه ، فإذا لم يشأ صلاحه فقد شاء فساده اضطرارا ، فكذلك لا تحدثوا بالحكمة غير أهلها فتجهلوا ، ولا تمنعوها أهلها فتأثموا ، وليكن أحدكم بمنزلة الطبيب المداوي إن رأى موضعا لدوائه وإلا أمسك " . ولا يخفى عليك ما في هذه النصوص من الفوائد ، منها : ما أشرنا إليه سابقا من وجوب العلاج لمن كان له بصيرة فيه ، ومنها : عدم اعتبار الاجتهاد في علم الطب ، بل يكفي للمداوي المداوى بالتجربيات العادية ونحوها مما جرت السيرة والطريقة به ، وخصوصا في العجائز للأطفال وغير ذلك .